للحراك الثقافي في القطيف جُذور قديمة، تضرب في أعماق التاريخ، فهذه المنطقة التي عرفت الاستيطان البشري قبل أكثر من خمسة آلاف سنة، شهدت قبسات وعي ثقافي في عصور سحيقة جداً. فموقعها الجغرافي على ساحل الخليج، بالإضافة إلى تواصلها مع مراكز الإشعاع الديني والثقافي في العراق وإيران، وصولاً إلى الهند وبقاع أخرى حول العالم، كان لها كبير أثر في صُنع مشهدها الثقافي.
غير أنني اليوم لن أسهب في الحديث عن التاريخ، بل سأسعى إلى تسليط ضوء عابر على مشهدها الثقافي الحديث:قبل أن تعرف البلاد المدارس الرسمية للبنين ثم البنات، كان في القطيف نظام تعليمي، يتجاوز ما يُطلق عليه "الكتاتيب". وكان يشرف عليه مجموعة من رجال الدين، الذين كانوا يعلّمون تلاميذهم، بالإضافة إلى العلوم الدينية، القراءة والكتابة والحساب، وحتى الفلك وجوانب من الطب النبوي. كما كان في القطيف حراك أدبي نشط، وبخاصة في الجانب الشعري، فبرزت فيها أسماء لامعة، كانوا على اتصال برصفائهم في العراق ولبنان ومصر.
ومع دخول التعليم قبل زهاء ستة عقود، ازدهر الحراك الثقافي والأدبي في هذه الواحة، وتفاعل الشعراء والأدباء مع المشهد الثقافي في العالم العربي، وانخرطوا في المدارس الفكرية والأدبية المختلفة التي برزت خلال القرن الماضي. وكان لطبيعة التكوين الاجتماعي المُنفتح للمنطقة، دوراً بارزاً في هذا الانخراط.
وشهد العقدان الماضيان حراكاً ثقافياً نشطاً، تجلى فيما يمكن تسميته بـ"الثورة الثقافية" في القطيف. وهو حراك شاركت فيه كافة مكونات المجتمع، رجالاً ونساءً. وإن كان الحراك النسوي في المنطقة بدأ متأخراً نسبياً، ولكنه عوض التأخير بمزيد من الفاعلية التي جعلته يتساوى أو يتفوق على نظيره الرجالي. غير إن السمة الطاغية على الصنفين هو الحضور البارز للشريحة الشبابية.
وحين الحديث عن تمظهرات هذا الحراك الثقافي، تقفز إلى الواجهة عشرات المنتديات الثقافية والفكرية والأدبية التي تعقد في مدن القطيف وقراها، أسبوعياً أو شهرياً. وهي منتديات استطاعت على رغم التحديات المختلفة، أن تثبت نفسها في الساحة، وان تسهم في استقطاب أسماء لامعة ليس على صعيد القطيف فحسب، بل على المستوى الوطني، ومن خارج المملكة أيضاً. كما أنها تعبير عن الانفتاح المُترسخ في نفوس أهالي القطيف، فلم تقف الحواجز الطائفية أو المناطقية مانعاً دون استضافة المُختلف، ومحاورته برقي فكري.
كما أفرز المشهد الثقافي في القطيف حراكاً فنياً متصاعداً، سواءً على الصعيد التشكيلي، أو الفوتوغرافي، أو السينمائي، أو المسرحي، وأخيراً مسرح الدُمى، الذي كانت القطيف سباقة فيه على المستوى الوطني.
وإذا كان حضور القطيفيين ككتاب في الصحف المحلية دون المستوى المأمول، لسبب أو لآخر، فإن لأقلامهم حضور طاغ في المنتديات الثقافية والأدبية الإلكترونية. والمُتصفح لهذه المواقع يقرأ لأقلام قطيفية قوية، تقدم طرحاً فكرياً مُستنيراً. كما يشعر بالفخر والاعتزاز لوجود أقلام شابة تكتب بمستوى قد يفوق ما يتوقعه من شبان وفتيات لم يتجاوزوا عامهم العشرين بعد، أو تجاوزوه ببضع سنين.
وبرزت في القطيف مشاهد ثقافية وفنية رائدة، مثل مشروع الحفاظ على الواجهة البحرية، ومشروع تكريم المبدعين والمبدعات في محافظة القطيف. وكذلك مسابقة "ملكة جمال الأخلاق" في مدينة صفوى، والتي تمثل إفرازاً ثقافياً متطوراً، وكذلك مهرجان الدوخلة في سنابس، الذي أكمل عامه الخامس بحضور كثيف فاق 200 ألف زائر من مختلف الجنسيات العربية والأجنبية، ووظفت فيه طاقات شبابية جبارة من أبناء المحافظة وبناتها، عملت على إنجاحه، وحولته إلى رصيد حضاري يُضاف إلى سجلات الوطن.
وبحسب تقدير أعده أحد الناشطين ثقافياً، قدم القطيفيون خلال العام الماضي، 247 إصداراً، و22 دورية، بالإضافة إلى أكثر من 25 نشرة.
وها هو "إبداع للفنون" في القطيف، يُنظم أكبر تظاهرة تشكيلية في المملكة، بالتعاون مع "أرامكو السعودية"، من خلال العديد من المعارض وورش العمل والمسابقات. قبلها كان معرض "بين ساحلين"، الذي خُصص ريعه لنجدة إخواننا المتضررين من سيول جدة. كما ولدت من رحم المنطقة لوحة "المحبة والسلام"، التي انبثقت من فكر الفنان الكبير المتميز عبد العظيم الضامن، وامتدت الأنامل المُبدعة من داخل البلاد ومن شتى أنحاء العالم، للمشاركة فيها.
اللافت أن المرأة كانت حاضرة بقوة في الحراك الثقافي والفني، إن على صعيد المنتديات الثقافية، والكتابة والتأليف، شعراً ونثراً، أو الفنون الأخرى، تارة كفنانة تشكيلية، وأخرى فوتوغرافية، وحتى في مجال النحت، والمسرح، تنقلت بين الإخراج والتمثيل والتأليف، بل والتدريب على هذه المهارات.
كما استطاعت فنانات من القطيف أن يحصدن مراكز متقدمة في مسابقات محلية وخارجية، فعلى سبيل المثال لا الحصر؛ حصلت إحدى مبدعات القطيف على المركز الأول على مستوى المملكة في الرسم التشكيلي، وهي الفنانة مهدية آل طالب، كذلك فوز المُبدعة زهراء القطري بجائزة آل ثاني للتصوير.
وقد استطاعت المواهب القطيفية إثبات وجودها خارج حدودها الجغرافية، القريبة منها، وأعني المجتمعات الخليجية، والبعيدة أيضاً على المستويين العربي والإسلامي، بل وحتى على نطاق واسع من العالم، فغدت بصماتها النيّرة تضيء الشرق والغرب.
وكنت شرعت برصد المعارض والمسابقات والبرامج الثقافية التي أقيمت في المنطقة، لكني وجدت أن الأنشطة أكثر من أن تحصيها هذه الإطلالة.
لذا أكتفي بأن أقدم تحية إكبار وإجلال لكل يد معطاء، ولكل انجازٍ مُبدع، وأقول أن من واجب المجتمع بكل عناصره، أفراد ومؤسسات ورجال أعمال، دعمها بكل السبل، فالفنون تشكل رافداً مهماً في حضارات العالم.
آمالنا كبيرة... وطموحاتنا أكبر في إظهار مجتمعنا بما يليق بنا، كخلفاء لله على هذه الأرض.